عامل عمالة المحمدية … حين تنزل الإدارة إلى الميدان ويصبح الإنجاز لغة المسؤولية
لم يحتج عادل المالكي إلى خطب طويلة حتى يلفت انتباه الرأي العام في المحمدية. كانت عبارات قصيرة، قيلت بالدارجة المغربية خلال جولات ميدانية، كافية لتلخص صورة آخذة في التشكل حوله: «الخدمة ماشي الهضرة»، و«مزيان تصورو الحفاري وحنا نقادوهم»، و«قول ليا واش خدامة ولا ما خداماش؟». كلمات بسيطة في مبناها، لكنها تحمل تصورا واضحا للمسؤولية: تشخيص الخلل، تحديد المسؤول عنه، ثم الانتقال إلى التنفيذ.
منذ تعيينه عاملا على عمالة المحمدية في ماي 2025، برز المالكي داخل المشهد المحلي بأسلوب يجمع بين صرامة المهندس، وخبرة المسؤول المركزي، وحضور رجل الإدارة الترابية في الميدان. ومع توالي زياراته للأوراش والمرافق العمومية، لم يعد اسمه مرتبطا فقط بالصفة الرسمية، بل أصبح حاضرا في نقاش المواطنين حول الطرق والصحة والتشغيل والنقل المدرسي والفضاءات العامة وجودة الخدمات.
غير أن القيمة الحقيقية لأي مسؤول لا تقاس بعدد المقاطع المتداولة عنه، ولا بحجم عبارات الإشادة التي ترافقها، بل بقدرته على تحويل الحضور الميداني إلى نتائج مستدامة. ومن هنا تكتسب تجربة عادل المالكي بالمحمدية أهميتها: فهي تجربة واعدة، لها مؤشرات ملموسة، لكنها تظل مطالبة بإثبات أثرها الكامل بلغة الآجال وجودة الإنجاز واستمرارية الخدمات.
مهندس داخل الإدارة الترابية
ينتمي عادل المالكي إلى فئة من رجال الإدارة الذين جاؤوا إلى التدبير الترابي من بوابة التكوين التقني والاقتصادي. فهو خريج المدرسة المحمدية للمهندسين، وبدأ مساره المهني سنة 1993 بالمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، حيث اشتغل مهندسا في الصناعات الكيماوية، وتولى مسؤوليات مرتبطة بالسجل المركزي للتجارة.
بعد ذلك شغل منصب رئيس قسم الدراسات التجارية بوزارة الصناعة والتجارة، ثم تولى سنة 2000 رئاسة قسم المعلوميات والاتصال بالمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، قبل أن يعين مديرا عاما للمكتب سنة 2008. وخلال هذه المرحلة ارتبط اسمه بقضايا الرقمنة، والابتكار، وحماية الملكية الصناعية، ومواكبة المقاولة، كما راكم حضورا داخل منظومة دولية تتصل بالعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية والمؤشرات الجغرافية.
وفي غشت 2018 انتقل من الإدارة المركزية إلى الإدارة الترابية بعد تعيينه عاملا على إقليم الصويرة، قبل أن يعين عاملا على عمالة المحمدية في 12 ماي 2025. وهكذا دخل إلى مدينة صناعية وساحلية معقدة، لا تشبه الصويرة في إيقاعها ولا في تحدياتها، لكنها تحتاج بدورها إلى مسؤول website قادر على الجمع بين التخطيط التقني، وتنسيق المتدخلين، والإنصات إلى المجتمع.
الميدان قبل المكتب
منذ أسابيعه الأولى بالمحمدية، أعطت الزيارات غير المعلنة إشارات عن منهج عمله. فقد زار مرافق إدارية وصحية بعدد من الجماعات، ووقف مباشرة على ظروف استقبال المواطنين، وعلى تأخر بعض الخدمات أو تعثر بعض الأوراش. لم تكن الزيارة الميدانية بالنسبة إليه مجرد محطة بروتوكولية، بل بدت أداة للاختبار: هل المرفق مفتوح؟ هل التجهيز يشتغل؟ هل المشروع مطابق لما يقدم في التقارير؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخر؟
هذه الطريقة تفسر جانبا من خطابه المباشر. فعندما يطلب جوابا واضحا من مسؤول عن مشروع، أو يرفض إغراق النقاش في دراسات متكررة، فهو يتصرف بعقلية المهندس الذي يبحث عن حالة النظام: هل يشتغل أم لا؟ وأين يوجد العطب؟ وما الإجراء المطلوب لإصلاحه؟
لكن الإدارة الترابية ليست ورشا تقنيا فقط؛ إنها فضاء تتقاطع فيه القوانين والميزانيات والاختصاصات المنتخبة والمصالح اللاممركزة وانتظارات السكان. ولذلك تكمن قوة هذا الأسلوب في قدرته على دفع المتدخلين إلى الحركة، فيما يكمن تحديه في تحويل الضغط الميداني إلى آليات مؤسساتية دائمة لا ترتبط بحضور المسؤول وحده.
الصحة والبنية التحتية: أوراش تحت ضغط الزمن
يتصدر مشروع المستشفى الإقليمي الجديد ببني يخلف قائمة الأوراش التي تحظى بمتابعة عامل العمالة. المشروع، المعلن بطاقة استيعابية تصل إلى 250 سريرا، ينتظر أن يعزز العرض الصحي ويوفر عددا مهما من التخصصات الطبية. وخلال زيارة ميدانية في أبريل 2026، ترأس المالكي اجتماعا مع المهندسين والمتدخلين للوقوف على الجوانب التقنية والاختلالات المحتملة وتسريع وتيرة الإنجاز، مع تحديد يناير 2028 موعدا مستهدفا لجاهزية المنشأة.
ولا ينفصل المستشفى عن محيطه الطرقي. ففي يوليوز 2026 أعطيت انطلاقة تهيئة وتثنية الطريق الرابطة بين الطريق السيار الحضري الدار البيضاء–الرباط والطريق الوطنية رقم 1 على امتداد نحو كيلومترين، بغلاف مالي يبلغ 64 مليون درهم. أهمية هذا المشروع لا تكمن في الإسفلت وحده، بل في تسهيل الوصول إلى المستشفى الجديد، وتحسين انسيابية السير، وربط المنطقة بشبكة التنقل الكبرى.
وفي عين حرودة، شملت المشاريع المعلنة تأهيل محاور وفضاءات حضرية، وتهيئة المعبر الطرقي، وإعادة بناء دار الشباب، وإنجاز مركب رياضي مغطى. أما في الشلالات، فقدم مشروع تهيئة وتثمين الغابة الحضرية للواد المالح بغلاف يقدر بـ15 مليون درهم، إلى جانب مركز للتفتح لفائدة الأطفال والشباب.
تظهر هذه المشاريع رؤية تحاول الربط بين الطريق والصحة والرياضة والبيئة، وهي مقاربة ضرورية في مجال يعرف توسعا عمرانيا وضغطا صناعيا وتنقلا يوميا كثيفا. غير أن الامتحان المقبل واضح: احترام الآجال، جودة الأشغال، صيانة التجهيزات بعد افتتاحها، وإخبار المواطنين بانتظام بنسبة تقدم كل مشروع.
التنمية البشرية: من عدد المشاريع إلى أثرها في حياة الناس
في فبراير 2026 صادقت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، برئاسة عادل المالكي، على برنامج عمل يفوق غلافه المالي 18.4 مليون درهم. وشملت الأولويات التمكين الاقتصادي للنساء في وضعية صعبة، ورعاية الأطفال، ودعم الأشخاص في وضعية إعاقة، وتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، والتعليم الأولي في الوسط القروي، وصحة الأم والطفل.
وتفيد الحصيلة المقدمة في ماي 2026 بأن عمالة المحمدية شهدت، بين 2019 و2025، إنجاز 541 مشروعا في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، استفاد منها أكثر من 430 ألف شخص، بغلاف إجمالي ناهز 213 مليون درهم. وهذه حصيلة مؤسساتية تراكمية لا يمكن نسبها إلى شخص واحد، لكنها تضع على عاتق القيادة الحالية مسؤولية حماية المكتسبات، وتصحيح الاختلالات، والانتقال من قياس عدد المشاريع إلى قياس أثرها الفعلي في التعليم والصحة والدخل والاستقلال الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تعكس عملية تسليم 17 حافلة جديدة للنقل المدرسي، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 32 حافلة موزعة على جماعات قروية وشبه حضرية، فهما عمليا للعدالة المجالية. فالحافلة هنا ليست وسيلة نقل فقط؛ إنها أداة لمحاربة الهدر المدرسي، وتقليص المسافة بين الطفل والمدرسة، ومنح الأسر القروية فرصة أكبر للحفاظ على تمدرس أبنائها وبناتها.
الشباب والمقاولة: أثر واضح لتجربة الملكية الصناعية
يبدو اهتمام عادل المالكي بالشباب وريادة الأعمال امتدادا طبيعيا لمساره السابق في المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية. فالرجل الذي اشتغل سنوات في فضاء الابتكار والسجل التجاري وحماية الأفكار يعرف أن التشغيل لا يصنع بالوعود وحدها، بل بمنظومة تبدأ بالتكوين، وتمر بالمواكبة والتمويل، وتنتهي بولوج السوق.
وقد جسدت منصة «منتدى الفرص – الشلالات» هذا التوجه، بعدما استقبلت، وفق المعطيات المقدمة سنة 2025، أكثر من 300 شابة وشاب، جرى انتقاء أكثر من 120 منهم للاستفادة من برامج التكوين والمواكبة. كما جاء مركز المهارات والمسارات المهنية وريادة الأعمال «مبروكة» ببني يخلف ليقدم تكوينات قصيرة مرتبطة بحاجيات المقاولات المحلية، ويساعد الشباب على الانتقال من البحث المجرد عن وظيفة إلى بناء مسار مهني أو مشروع قابل للحياة.
وفي مارس 2026 احتضنت المحمدية الملتقى التضامني للمقاولات الصغرى بمشاركة 300 عارض من مختلف جهات المملكة. ولم يكن الحدث مجرد معرض للمنتجات، بل منصة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتمويل الأصغر وريادة الأعمال النسائية والشبابية. وتكشف هذه المبادرات عن محاولة لبناء جسر بين الإدارة والفاعل الاقتصادي الصغير؛ وهو جسر تحتاجه مدينة صناعية حتى لا تبقى فرصها محصورة داخل المؤسسات الكبرى.
خطاب قريب من الناس… وقابل للمحاسبة
من أبرز عناصر حضور عادل المالكي استعماله لغة يفهمها المواطن بسرعة. فهو ينتقل من العربية الرسمية في المناسبات المؤسساتية إلى الدارجة في الجولات الميدانية، من دون أن يفقد الرسالة الأساسية: المطلوب هو العمل، والنقد البناء مقبول، وتصوير الاختلال يمكن أن يساعد على إصلاحه.
عبارة «مزيان تصورو الحفاري وحنا نقادوهم» تقدم تصورا لافتا لعلاقة الإدارة بالإعلام والمواطن. فبدل التعامل مع الصورة المنتقدة باعتبارها إساءة، تصبح معلومة ميدانية يمكن توظيفها في تحديد الخلل. أما قوله «الخدمة ماشي الهضرة»، فيعكس رفضا للجواب الإداري الذي يستهلك الوقت من دون أن يقدم حلا.
هذه اللغة صنعت تعاطفا واسعا على شبكات التواصل، لأنها قلصت المسافة التقليدية بين المسؤول والمواطن. لكنها تجعل صاحبها، في المقابل، أكثر تعرضا للمحاسبة؛ فكل وعد مباشر يتحول إلى التزام قابل للتتبع، وكل انتقاد مرحب به يرفع سقف انتظار الشفافية والتجاوب.
مغاربة العالم: من الاستقبال الموسمي إلى الشراكة التنموية
في كلمته بمناسبة اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج في 10 غشت 2026، وصف عادل المالكي مغاربة العالم بأنهم ثروة بشرية وعلمية واقتصادية، وفاعلون في الأوراش التنموية وسفراء للمملكة. كما دعا إلى تعزيز الحوار معهم، والإنصات إلى انشغالاتهم، وتسهيل إجراءاتهم، وتشجيع مساهمتهم في البحث العلمي والابتكار ومشاريع أفق 2030.
وتكتسب هذه الرسالة معنى خاصا في المحمدية، بالنظر إلى موقعها داخل محور الدار البيضاء–الرباط، وقربها من مشاريع زناتة والبنيات الصناعية واللوجستيكية الكبرى. فالرهان الحقيقي لا يتمثل في تنظيم لقاء سنوي ناجح فقط، بل في بناء مسار دائم يسمح لكفاءات الجالية ومستثمريها بتحويل الأفكار إلى مشاريع، ومتابعة ملفاتهم بوضوح، وربط خبراتهم بالحاجيات الفعلية للمنطقة.
لا مديح مجاني ولا حكم متسرع
الصورة الإيجابية التي تتشكل اليوم حول عامل عمالة المحمدية لا ينبغي أن تتحول إلى مديح يلغي حق المواطنين في السؤال. فقد أظهرت تجربة الصويرة أن تقييم أي مسؤول يظل محل اختلاف؛ بين من يرى فيه مسؤولا يقظا خدم بجدية، ومن يربط المرحلة باستمرار بعض مظاهر الركود والبطالة. وهذا الاختلاف صحي حين يستند إلى الوقائع والأرقام، لا إلى المجاملة أو تصفية الحسابات.
وفي المحمدية أيضا، لا تزال ملفات ثقيلة تنتظر حلولا مستدامة: جودة الخدمات الصحية الحالية إلى حين افتتاح المستشفى الجديد، الاختناق المروري، تعثر بعض المشاريع السكنية والحضرية، الفوارق بين مركز المدينة والجماعات المحيطة، الضغط البيئي، وحاجة الشباب إلى فرص شغل حقيقية لا إلى تكوين ينتهي بلا إدماج.
لذلك فإن الإنصاف يقتضي تثمين الحضور الميداني والوضوح في التواصل، مع ربطهما بمؤشرات قابلة للقياس: كم مشروعا أنجز داخل أجله؟ كم مرفقا أصبح يشتغل فعليا؟ كم شابا انتقل من التكوين إلى العمل؟ كم أسرة تحسنت ظروفها؟ وكيف ستتاح هذه المعطيات للرأي العام؟
مسؤول أعاد للسؤال البسيط مكانته
ربما تكمن جاذبية عادل المالكي في أنه أعاد إلى الإدارة سؤالا بسيطا كثيرا ما يضيعه تعقيد المساطر: هل الخدمة تعمل أم لا؟ المواطن لا يحتاج دائما إلى تقرير طويل؛ يريد طريقا صالحا، ومستوصفا مفتوحا، وحافلة تنقل أبناءه، ومشروعا ينتهي في موعده، ومسؤولا يسمع الشكوى ولا يعاقب صاحبها على كشفها.
لقد قدم المالكي، خلال مدة وجيزة نسبيا بالمحمدية، مؤشرات على نموذج إداري يقوم على القرب والسرعة والوضوح وربط القول بالفعل. لكن نجاح هذا النموذج لن يكتمل بصناعة صورة مسؤول استثنائي، بل ببناء مؤسسات محلية تشتغل بالكفاءة نفسها حتى في غيابه، وبترسيخ ثقافة يصبح فيها التنفيذ والشفافية والمحاسبة قواعد يومية.
في النهاية، لا يصنع عامل العمالة التنمية وحده، كما لا يمكن اختزال تعثرها في شخص واحد. النجاح الحقيقي هو أن يحول المسؤول سلطته التنسيقية إلى طاقة جماعية، وأن يدفع المنتخب والإدارة والمقاولة والمجتمع المدني والمواطن إلى العمل داخل اتجاه واحد. وإذا استطاع عادل المالكي أن يحول عبارته «الخدمة ماشي الهضرة» من شعار متداول إلى سلوك مؤسساتي دائم، فسيكون قد ترك في المحمدية أثرا أكبر من أي مقطع واسع الانتشار: إدارة ترى الخلل، تصغي إلى الناس، وتنجز ما تعد به.
#عادل المالكي